محمد بن جرير الطبري

109

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فقيل : أقسم بيوم القيامة ، وكان يقول : كل يمين قبلها رد لكلام ، فلابد من تقديم " لا " قبلها ، ليفرق بذلك بين اليمين التي تكون جحدا ، واليمين التي تستأنف ، ويقول : ألا ترى أنك تقول مبتدئا : والله إن الرسول لحق ؛ وإذا قلت : لا والله إن الرسول لحق فكأنك أكذبت قوما أنكروه . واختلفوا أيضا في ذلك ، هل هو قسم أم لا ؟ فقال بعضهم : هو قسم أقسم ربنا بيوم القيامة ، وبالنفس اللوامة . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن أبي الخير بن تميم ، عن سعيد بن جبير ، قال : قال لي ابن عباس : ممن أنت ؟ فقلت : من أهل العراق ، فقال : أيهم ؟ فقلت : من بني أسد ، فقال : من حريبهم ، أو ممن أنعم الله عليهم ؟ فقلت : لا بل ممن أنعم الله عليهم ، فقال لي : سل ، فقلت : لا أقسم بيوم القيامة ، فقال : يقسم ربك بما شاء من خلقه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ قال : أقسم بهما جميعا . وقال آخرون : بل أقسم بيوم القيامة ، ولم يقسم بالنفس اللوامة . وقال : معنى قوله : لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ولست أقسم بالنفس اللوامة . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : قال الحسن : أقسم بيوم القيامة ، ولم يقسم بالنفس اللوامة . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال : إن الله أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة ، وجعل " لا " ردا لكلام قد كان تقدمه من قوم ، وجوابا لهم . وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب ، لأن المعروف من كلام الناس في محاوراتهم إذا قال أحدهم : لا والله ، لا فعلت كذا ، أنه يقصد بلا رد الكلام ، وبقوله : والله ، ابتداء يمين ، وكذلك قولهم : لا أقسم بالله لا فعلت كذا ؛ فإذا كان المعروف من معنى ذلك ما وصفنا ، فالواجب أن يكون سائر ما جاء من نظائره جاريا مجراه ، ما لم يخرج شيء من ذلك عن المعروف بما يجب التسليم له . وبعد ، فإن الجميع من الحجة مجمعون على أن قوله : لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ قسم فكذلك قوله : وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ إلا أن تأتي حجة تدل على أن أحدهما قسم والآخر خبر . وقد دللنا على أن قراءة من قرأ الحرف الأول لأقسم بوصل اللام بأقسم قراءة غير جائزة بخلافها ما عليه الحجة مجمعة ، فتأويل الكلام إذا : لا ما الأمر كما تقولون أيها الناس من أن الله لا يبعث عباده بعد مماتهم أحياء ، أقسم بيوم القيامة . وكانت جماعة تقول : قيامة كل نفس موتها . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ومسعر ، عن زياد بن علاقة ، عن المغيرة بن شعبة ، قال : يقولون : القيامة القيامة ، وإنما قيامة أحدهم : موته . حدثنا أبو كريب قال ثنا وكيع ، عن مسعر وسفيان ، عن أبي قبيس ، قال : شهدت جنازة فيها علقمة ، فلما دفن قال : أما هذا فقد قامت قيامته . وقوله : وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : اللَّوَّامَةِ فقال بعضهم : معناه : ولا أقسم النفس التي تلوم على الخير والشر . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن الحسن بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، في قوله : وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ قال : تلوم على الخير والشر . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ قال : تلوم على الخير والشر . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن أبي الخير بن تميم عن سعيد بن جبير ، قال : قلت لابن عباس لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ قال : هي النفس اللؤم . وقال آخرون : بل معنى ذلك : أنها تلوم على ما فات وتندم . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛